سيد محمد طنطاوي
95
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الواحد ، جبريل واحد فلا يجوز أن يحمل تأويل القرآن إلا على الأظهر الأكثر من الكلام المستعمل في ألسن العرب دون الأقل ما وجدنا إلى ذلك سبيلا ، ولم تضطرنا حاجة إلى صرف ذلك إلى أنه بمعنى واحد فيحتاج له إلى طلب المخرج بالخفي من الكلام والمعاني » « 1 » . وقوله * ( وهُوَ قائِمٌ ) * جملة حالية من مفعول النداء ، و « يصلى » حال من الضمير المستكن في قائم أو حال أخرى من مفعول النداء على القول بجواز تعدد الحال ، وقوله * ( فِي الْمِحْرابِ ) * متعلق بيصلى . والمراد بالمحراب هنا المسجد ، أو المكان الذي يقف فيه الإمام في مقدمة المسجد . وقرأ جمهور القراء : * ( أَنَّ اللَّه يُبَشِّرُكَ ) * بفتح همزة أن - على أنه في محل جر بباء محذوفه . أي : نادته الملائكة بأن اللَّه يبشرك بيحيى . وقرأ ابن عامر وحمزة : * ( أَنَّ اللَّه يُبَشِّرُكَ ) * - بكسر الهمزة - على تضمين النداء معنى القول ، أي : قالت له الملائكة إن اللَّه يبشرك بيحيى . وقوله : * ( بِيَحْيى ) * متعلق بيبشرك ، وفي الكلام مضاف أي يبشرك بولادة يحيى ، لأن الذوات ليست متعلقا للبشارة . وفي اقتران التبشير بالتسمية بيحيى ، إشعار بأن ذلك المولود سيحيا اسمه وذكره بعد موته ، وبذلك تتحقق الإجابة لدعاء زكريا تحققا تاما ، فقد حكى القرآن عنه في سورة مريم أنه قال : يَرِثُنِي ويَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ واجْعَلْه رَبِّ رَضِيًّا قال الجمل : و « يحيى ، فيه قولان : أحدهما : وهو المشهور عند أهل التفسير أنه منقول من الفعل المضارع ، وقد سموا بالأفعال كثيرا نحو يعيش ويعمر . . وعلى هذا فهو ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل ، نحو يزيد ويشكر وتغلب . والثاني : أنه أعجمي لا اشتقاق له ، وهذا هو الظاهر ، فامتناعه من الصرف للعلمية والعجمة » « 2 » . ثم وصف اللَّه - تعالى - يحيى - عليه السّلام - بأربع صفات كريمة فقال : * ( مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّه . وسَيِّداً . وحَصُوراً . ونَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) * فالصفة الأولى : من صفات يحيى - عليه السّلام - أنه كان * ( مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّه ) * وللعلماء في تفسير هذه الجملة الكريمة اتجاهان :
--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 3 ص 250 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 167 .